من وجع عينابوس يولد عهد الصمود
في عينابوس، تتحول مأساة شاب الى عهد جماعي بأن تبقى الحقيقة حية والكرامة محفوظة
في صباح رمادي يلف تلال قرية عينابوس جنوب نابلس، وقف فتيان صغار امام سيارة محترقة، يحدقون في هيكلها المتفحم وكأنهم يحاولون قراءة ما تبقى من ليلة لن تغادر ذاكرتهم. كانت اثار الرصاص واضحة على الابواب والزجاج، كأن الحديد نفسه يروي القصة: هنا توقفت الحياة فجأة، وهنا تبدلت احلام شاب في العشرين من عمره الى ذكرى تحملها القلوب.
في تلك الليلة، كان قيس علان ورفاقه يسيرون في طريق يعرفونه جيدا، طريق عادي مثل مئات الطرق التي يسلكها شباب القرى كل يوم. لكن لحظة واحدة كانت كافية لتبديل كل شيء. اطلقت النيران، وانقلبت الرحلة القصيرة الى مأساة. قتل قيس، واصيب رفاقه، وبقيت السيارة شاهدا صامتا على ما جرى.
في اليوم التالي، تحولت القرية الى بيت عزاء كبير. الرجال تجمعوا في الساحات، والنساء فتحن ابواب البيوت لاستقبال المعزين، والاطفال حملوا صور صديقهم الذي رحل. لم يكن الحزن وحده هو الحاضر؛ كان هناك ايضا شعور عميق بان القصة يجب ان تروى، وان الحقيقة يجب ان تبقى حية. قال احد كبار السن: كل بيت في عينابوس يعرف قيس، رحيله ليس رقما في خبر بل جرح في قلب القرية.
في الازقة الضيقة، دار الحديث عن تفاصيل اللحظات الاخيرة: من سمع الطلقات، من حاول الوصول الى السيارة، من نقل المصابين الى المستشفى. كل شهادة كانت قطعة من لوحة اكبر، لوحة تحاول العائلات من خلالها ان تفهم ما حدث، وان تبحث عن اجابة للسؤال الذي يتكرر: لماذا؟
الشباب في القرية بدأ بعضهم بجمع الصور والشهادات، واخرون كتبوا اسم قيس على الجدران، فيما حمل غيرهم هواتفهم ليرووا للعالم ما جرى. لم يكن ذلك بدافع الغضب فقط، بل بدافع حماية الذاكرة. يقول احد اصدقاء قيس: ”نحن نحكي قصته لاننا لا نريد ان تختفي، لان كل قصة تروى هي خطوة نحو العدالة.“
في بيت العائلة، جلست ام قيس تمسك بصورة ابنها وهو يبتسم. قالت بصوت خافت: ”كان يحب الحياة، كان يحلم ان يعمل ويبني بيتا، لم يكن يحمل سوى قلبه.“ كلماتها لم تكن مجرد حزن، بل شهادة ام تريد ان يعرف العالم ان ابنها كان انسانا له مستقبل وضحكة واحلام.
لكن عينابوس لم تغرق في الحزن وحده. في المساء، اجتمع شباب القرية لتنظيم حملة تبرعات لعلاج المصابين. النساء طبخن الطعام للعائلات المتضررة. الاطفال رسموا لوحات كتبوا فيها اسم قيس. في هذه التفاصيل الصغيرة ظهرت قوة القرية: التضامن الذي يحول الالم الى رابط اقوى بين الناس.
في المدرسة، تحدث المعلمون عن اهمية حفظ الذاكرة وتوثيق الحقيقة. قال احدهم لطلابه: ”انتم جيل الشهادة، عليكم ان تكتبوا ما رأيتم كي يعرف العالم.“ الاطفال الذين وقفوا امام السيارة المحترقة بدأوا يفهمون ان ما حدث ليس مجرد حادثة، بل جزء من قصة اكبر يعيشها شعب كامل.
في ليالي القرية، حين يهدأ الصوت ويخفت الضوء، يبقى اسم قيس علان حاضرا في الاحاديث. يتذكره اصدقاؤه في ملعب الكرة، وجيرانه عند باب البيت، واقاربه في كل مناسبة. الذكرى لا تموت، بل تتحول الى عهد صامت بان تبقى الحياة اقوى من الرصاص، وان يبقى الحق حاضرا في الوجدان.
من وجع عينابوس خرج وعد جديد: ان تحكى القصة، ان تحفظ الاسماء، وان يبقى التضامن طريقا للمستقبل. القرية التي ودعت شابا من ابنائها لم تفقد روحها، بل تمسكت بها اكثر. في كل بيت دعاء، وفي كل شارع ذكرى، وفي كل قلب يقين بان العدالة حق يطالب به الناس يوما بعد يوم.
وهكذا، تقف السيارة المحترقة على جانب الطريق، لا كقطعة حديد مهجورة، بل كشاهد على قصة شعب لا يريد ان ينسى ولا ان ينسى. قصة وجع يتحول الى قوة، وحزن يتحول الى عهد صمود، وذاكرة تكتب كي يبقى المستقبل اوسع من الالم.