الرئيسيةمنبر الوعيتعرف علينااقترح مبادرةتواصل معنا

قيمة الحرية

11 محررا من السجون الإسرائيلية يدخلون مستشفى شهداء الأقصى، حيث كل ابتسامة تروي قصة صمود وإصرار.

مصطفى بوشن |29/06/2026
شارك المعرفة

في مستشفى شهداء الاقصى، حيث تمتزج رائحة المطهرات بصمت ثقيل لا يشبه اي صمت اخر، دخل احد عشر محررا خرجوا لتوهم من السجون الاسرائيلية. لم يكن دخولهم مجرد انتقال مكاني من مكان الى اخر، بل كان عبورا بين زمنين: زمن طويل من الغياب، وزمن جديد ما زال يتلمس ملامحه الاولى بعد الانكسار.

في الممرات البيضاء، كانت الخطوات ابطا مما ينبغي، كأن كل خطوة تحتاج الى اذن من ذاكرة لم تتعود بعد على فكرة الحرية. بعضهم كان يمشي مترددا، لا لان الجسد لا يطاوعه، بل لان الروح نفسها كانت لا تزال تحمل ثقل الاسوار الحديدية التي لم تغادرها بالكامل بعد.

احدهم توقف للحظة عند باب غرفة الفحص، نظر الى السقف طويلا، وكأنه يحاول التاكد ان السماء ليست بعيدة كما كانت في الايام الماضية. لم يكن السؤال منطوقا، لكنه كان واضحا في العيون: هل انتهى كل ذلك حقا؟

الاطباء والممرضون في المستشفى لم يتعاملوا معهم كحالات طبية فقط، بل كقصص خرجت من عمق التجربة الانسانية القاسية. كل فحص كان يحمل خلفه طبقات من الحكايات: عن الصبر، عن الانتظار، عن الوقت الذي يقاس لا بالساعات، بل بالقدرة على الاحتمال.

في زاوية هادئة من الجناح، جلس احد المحررين على طرف السرير، يراقب يديه بصمت. قال بصوت منخفض، كأنه يخشى ان تكسر كلماته هشاشة اللحظة:

"كنا نحفظ الايام في صدورنا… اليوم فقط بدانا ننسى كيف كنا نعدها."

لم يكن في كلامه مبالغة، بل وصفا دقيقا لحياة داخل الجدران، حيث يصبح الزمن شيئا ثقيلا ومجردا في الوقت نفسه. هناك، في ذلك المكان المغلق، لم يكن الانسان يعيش الايام، بل كان ينتظرها فقط.

خارج الغرفة، كانت اصوات الاجهزة الطبية تعيد ترتيب المشهد على نحو واقعي، لكن داخل كل واحد منهم كان هناك مشهد اخر يتكون ببطء: مشهد الانسان الذي يعود ليتعلم ابسط الاشياء من جديد، مثل الوقوف في مكان مفتوح دون ان يبحث بعينيه عن جدار.

احدى الممرضات قالت بهدوء، وهي تمر بين الاسرة:

"كانهم لا يزالون في طريق العودة، ليس فقط جسدا… بل معنى."

الحرية هنا لم تكن شعارا ولا مفهوما نظريا. كانت شيئا هشا، يحتاج الى وقت كي يفهم، والى صمت كي يستوعب. كانت في طريقة التنفس العميق للمرة الاولى دون خوف، في نظرة لا تبحث عن المراقبة، وفي ابتسامة تتردد قبل ان تكتمل.

ومع مرور الساعات، بدات ملامح التعب تختلط بشيء اخر: ارتباك جميل، يشبه اول مواجهة بين الانسان وحياته كما لو انها جديدة بالكامل.

لم يكن احد منهم يتحدث كثيرا. كان الصمت هو اللغة الاكثر صدقا في تلك اللحظة. صمت لا يعني غياب الكلمات، بل امتلاءها بما لا يمكن قوله.

وفي نهاية اليوم، بدا المستشفى وكانه يحتفظ بهذه اللحظة في ذاكرته: لحظة خروج لا تشبه النهاية، بل بداية ثقيلة، لكنها ممكنة.

قيمة الحرية لم تكن في الكلمات التي قيلت، بل في ما لم يقل. في العيون التي بدات تتذكر الضوء، وفي الاجساد التي بدات تفك عقد السنين، وفي الحياة التي، رغم كل شيء، وجدت طريقها لتعود خطوة بعد خطوة.