الرئيسيةمنبر الوعيتعرف علينااقترح مبادرةتواصل معنا

آيات تتلى فوق ارض النزوح

بين اقمشة الخيام، تجلس جدة تعلم حفيدتها القران، متمسكتين بالايمان واليقين رغم النزوح.

مصطفى بوشن |06/03/2026
شارك المعرفة

بين صفوف الخيام الممتدة على طرف المخيم، حيث لا يشبه الوقت نفسه ما كان عليه قبل الرحيل، تجلس جدة قرب حفيدتها الصغيرة داخل مساحة ضيقة تفصلها عن العالم الخارجي مجرد قطعة قماش خفيفة لا تكفي لوقف الريح ولا لاحتواء كل ما جرى.

تفتح الجدة مصحفا قديما، صفحاته بدأت تكتسب لونا مختلفا مع الزمن وكثرة الاستخدام، وتضعه بين يديها كأنها تستعيد عبره شيئا ثابتا وسط كل هذا التحول. تبدأ بتلاوة الايات بصوت منخفض، ثابت رغم التعب، وتطلب من حفيدتها ان تكرر خلفها ببطء، كلمة بعد كلمة.

الطفلة تحاول ان تلتقط الكلمات كما هي، لكنها تتوقف احيانا عند نطقها، تعيد المحاولة اكثر من مرة، كأن اللغة نفسها تحتاج الى تعلم جديد في هذا المكان المختلف. ومع ذلك، تستمر، ليس بدافع الاتقان فقط، بل بدافع الاقتراب من معنى لا تملكه بالكامل بعد.

الخيمة من حولهما لا توفر عزلة حقيقية. اصوات الحياة في المخيم تتسلل من كل الجهات: خطوات، نداءات، حركة مستمرة لا تهدأ. لكن داخل هذه الزاوية الصغيرة، يتشكل نوع اخر من الهدوء، هدوء مبني على التكرار والصبر ومحاولة الحفاظ على شيء داخلي لا تراه العيون بسهولة.

الجدة تنظر الى حفيدتها بين الحين والاخر، وكأنها تقيس المسافة بين ما كان وما هو كائن الان. لا تتحدث كثيرا، لكنها تترك للايات دورها في ملء الفراغ. في نظرتها مزيج من التعب والاطمئنان، وكأنها تقول ان ما فقد في الخارج يمكن ان يبقى حيا بطريقة اخرى داخل الذاكرة.

في لحظة قصيرة، تتوقف التلاوة، ترفع الطفلة نظرها وتسأل سؤالا بسيطا لا يسمعه احد بوضوح، فتبتسم الجدة وتعيد فتح الصفحة الى الموضع نفسه دون استعجال، وكأن الزمن هنا يسمح بالتكرار اكثر من التقدم.

احد الجالسين في الجوار قال بهدوء وهو يراقب المشهد:
"في هذا المكان، نتعلم ان المعنى لا يحتاج الى مساحة كبيرة… يكفي ان يبقى حيا."

الجملة تلخص ما يحدث داخل الخيمة دون مبالغة: محاولة مستمرة للحفاظ على اتصال بين الانسان وما يؤمن به، حتى عندما تتغير كل الظروف من حوله.

ومع استمرار التلاوة، لا يبدو المشهد مجرد تعليم قرآن، بل شكل من اشكال التمسك بالحياة نفسها، حيث يصبح الصوت وسيلة للثبات، والكلمة وسيلة للعبور من الفقد الى الاستمرار.

وفي النهاية، تبقى الخيمة كما هي، لكنها تحمل داخلها لحظة اكبر من حجمها، لحظة تقول ان المعنى يمكن ان يولد حتى في اكثر الاماكن هشاشة، وان الذاكرة حين تقرأ بصوت مرتفع تصبح نوعا من البقاء.